| |||
ملخص الخطبة
| |||
1- الكون يدل بتناسقه على حكمة الله الحكيم وقدرته. 2- استسلام المؤمن لقضاء الله وقدره مع عجزها عن الإحاطة به. 3- من الكفر اعتراض البعض على قضاء الله. 4- من عظيم قدر الله خفاء حكمته عن البشر حتى الخير سبباً للشر ، والشر سبباً للخير. 5- انتشار شركات التأمين مظهر من ضعف الإيمان بالقضاء والقدر. 6- الإيمان بالقدر لا يعني ترك الأسباب. 7- الإيمان بالقدر يبعد المؤمن عن أكل الحرام. 8- الإيمان بالقدر جعل سلفنا الكرام أشمع الناس. 9- سادس أركان الإيمان الإيمان بالقضاء والقدر.
| |||
الخطبة الأولى
| |||
أما بعد:
فأوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل، فهي عماد المؤمن في الدنيا، وأنيسه في قبره، ودليله في الأخرى يوم يلقى الله، إلى جنات النعيم.
أيها الناس، لقد خلق الله السماوات والأرض، وبنى الأجسام والعوالم، بناء متقنا، دالا على حكمته وكمال علمه وقدرته، لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، خلق كل شيء فأحسن خلقه، وقدر كل شيء تقديرا، خلق الثقلين الجن والإنس، فجعل منهم كافرا وجعل منهم مؤمنا، قدر مقادير الخلائق فلم يبق ولم يذر، وأجرى مقاديره حتى على غرز الإبر، أعجز العقول والأفهام عن إدراكه، أو الإحاطة به علما، تجلت عظمة الله في القضاء والقدر، وعجزت العقول المسلمة، عن تعليله؛ فبقيت مبهوتة، عالمة قصورها عن درك جميع الأمور، فأذعنت مقرة بالعجز، مؤمنة بأن الكل من عند الله، وأن الله قد أحاط بكل شيء علما
وإن أقواما نظروا إلى قضاء الله وقدره بمجرد عقولهم، فرأوها كما لو صدرت من مخلوق، نسبت إلى ضد الحكمة؛ فنسبوا الخالق إلى ذلك، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا. وهذا هو الكفر المحض، والجنون البارد.
وأول من فعل ذلك، إبليس ـ عليه لعائن الله ـ، فإنه قد رأى ربه فضل جنس الطين على جنس النار، فأبى واستكبر وقال:
واعترض أبو جهل على الخالق وحكمته، حينما قال في نبوة محمد
واعترض ابن الراوندي، الذكي المشهور، في القرن الثالث الهجري، اعترض على قضاء الله وقدره، وعطل حكمته، واستنكف عن قسمته ورزقه، فقد جاع يوما واشتد جوعه، فجلس على الجسر، وقد أمضَّه الجوع، فمرت خيل مزينة بالحرير والديباج، فقال: لمن هذه؟ فقالوا لعلي بن بلتق، غلام الخليفة، فمر به رجل، فرآه وعليه أثر الضر فرمى إليه رغيفين، فأخذهما ورمى بهما وقال: هذه الأشياء لعلي بن بلتق وهذان لي؟ فنسي هذا الجاهل الأحمق، أنه بما يقول ويعترض ويفعل، أهل لهذه المجاعة. قال الذهبي ـ رحمه الله ـ: فلعن الله الذكاء بلا إيمان ورضي الله عن البلادة مع التقوى.
عباد الله، إن تطبيق مقاييس البشر ومفاهيمهم على قضاء الله وقدره، هو مكمن الخطر، واعتراض ضعاف النفوس على قسمة الله ورزقه؛ حيث جعل هذا مؤمنا وذاك كافرا، وذاك غنيا وهذا فقيرا، وأخذه للشاب في شبابه، وما بلغ بنيانه بعض المقصود، وأخذه الطفل من أكف أبويه يتململان، والله الغني عن أخذه، وأبواه أشد الخلق فقرا إلى بقائه، وإبقائه لهرم، لا يدري معنى البقاء، كل ذلك يجد الشيطان به طريقا للوسواس، ويبتدي بالقدح في حكمة الله وقدره. ولو ملئت قلوب أولاء بالإيمان واليقين، والرضا بالله ربا، لما كان للشيطان مسلك ولا مستقر في أفئدتهم، ولأيقنوا أن الله لم يقدر شيئا إلا لحكمة، وأن الحكمة قد يعلمها الإنسان وقد تختفي عنه وفق إرادة العزيز الحكيم.
ألا ترون أيها المسلمون، أن الاعتداء على السفينة بخرقها يعد ظلما واعتداء؟ ومع ذلك فقد يظهر لكم أن ذلك الخرق، كان طريقا للنجاة من هلكة. وهذا ما وقع للخضر مع موسى ـ عليه السلام ـ:
وانظروا ـ حفظكم الله ـ، إلى يوسف عليه السلام، لما اتهم بالفاحشة، وسجن بها؛ ليكون ذلك السجن سبيلا إلى جعله على خزائن الأرض حفيظا عليما.
ويعيش محمد
أيها المسلمون، مضت سنة الله في خلقه، بأن للأعمال القلبية، سلطانا على الأعمال البدنية، فما يكون في الأعمال من صلاح وفساد، فإنما مرجعه، فساد القلب وصلاحه، فطمأنينة فؤاد المسلم، وركونه إلى ربه بعد أن يؤدي ما عليه من واجب، إنما هو إيمان منه، بأن زمام الأمور كلها تحت مشيئة الله النافذة، فهو يتوكل على ربه، دون توتر ولا قلق؛ ومن ثم، فإنه يستقبل الدنيا بشجاعة ويقين، ولسان حاله، يقول ما قاله علي بن أبي طالب:
أي يوميّ من الموت أفر يـوم لا يقـدر أو يوم قـدر
يوم لا يقـدر لا أحـذره ومن المقدور لا ينجو الحـذر
إن قلق كثير من الناس، وخواء أفئدتهم من الإيمان بقضاء الله وقدره، وفزعهم من المستقبل، والشعور بالوهن عن حمل المصائب، هو سر قيام التدجيل والتكهن والعرافة والتنجيم، وهو سر تعلق عدد من المجتمعات ليس بالقليل، بما يسمى شركات التأمين، التي قرر حرمتها علماء الملة. والتي تؤمن على المال والأرواح والأعراض، الذي استولت من خلاله على قناطير مقنطرة من الذهب والفضة، استقطبتها من هلع المذعورين وخشية الخوافين على أعمارهم حينا، وعلى أموالهم حينا آخر.
ومن الفرق الذي استحوذ على الجبناء عندما يدفعهم الشك إلى ترقب الموت كامنا في كل أفق، فيفزعون من الهمس، ويألمون من اللمس.
ولن تقر نفوس هؤلاء، إلا إذا خالطها الإيمان بالله، والتسليم له، والرضا بقضائه وقدره. قال رسول الله
وقال
عباد الله، إن شأن الناس مع القدر عجيب، فذاك تاجر يؤرقه السهود، لأنه من خوفه على رزقه، يتوجس انهيار تجارته بين الحين والآخر، وآخر غط في نوم عميق، فهو لا يتجشم مؤنة سعي؛ لأن الأرزاق مقسومة. والحقيقة كلها، في التوسط بين الطرفين، فالمسلم يؤدي العمل المطلوب، فيعقل ويتوكل، وينفي الريب عن فؤاده، بعد أن يؤدي ما عليه، عملا بقول المصطفى
ولذا، فإن أحاديث القدر، علاج للقلق والتشاؤم، وليست ذريعة كسل أو خمول. إذ ما عساك ـ أيها المسلم ـ أن تفعل، إذا أصابك ما تكره؟ إن كان تغيير المكروه في مقدورك، فالصبر عليه بلادة، والرضا به حمق. وإن كان ما عراك، فوق ما تطيق، فهل هناك حيلة، أفضل من الاتزان ورباطة الجأش؟ وهل هناك مسلك أرشد من الرضا والتسليم للخالق، الذي يحول الداء دواء، والمحنة منحة؟
أيها الناس، إن الله ـ عز وجل ـ قسم المعاش وقدر الأرزاق، والناس أجمع لا يملكون عطاء ولا منعا، وإنما الناس وسائط، فما أعطوك، فهو بقدر الله وما منعوك فهو بقدر الله، وما كان لك، فسوف يأتيك على ضعفك، وما كان لغيرك فلن تناله بقوتك، وما عليك إلا أن تجد وتعمل، وتضرب في آفاق الأرض، وتأخذ بأسباب الرزق، فمن جد وجد، ومن زرع حصد، فلا كسب بلا عمل، ولا حصاد بلا زرع، ومسألة الرزق أدق من أن تدرك، وأبعد من أن تنال. وانظروا إلى الناس، ترون منهم الغواصين، الذين جعل الله رزقهم في أعماق البحار، والطيارين، الذين جعل الله معاشهم في بحار الهواء بين السماء والأرض، وأصحاب المناجم يجدون خبزهم، مخبوءا في الصخر الأصم، فلا ينالونه إلا بتكسيره. ومُروِّضُ[4] الأسود والفيلة، الذي يترصده الموت كل حين، يجد مصدر رزقه، بين أنياب الأسود أو تحت أرجل الفيلة:
فلا تجزعوا من الفقر عباد الله، فإن الفقر قد يسمو، كما سما فقر المصطفى
واجعلوا الفقر والغنى مطيتين، لا تبالون أيهما ركبتم، إن كان الفقر، فإن فيه الصبر، وإن كان الغنى فإن فيه البذل. وأبشروا بقول المصطفى
أيها المسلمون، إن الإيمان بالقضاء والقدر، يثمر الإقدام، وخلق الشجاعة والتسليم بأقدار اليوم والغد، وهذا ما ذكره الله في قوله:
إن الذي يعتقد أن الأجل محدود، والرزق مكفول، والأشياء بيد الله يصرفها كيف يشاء، كيف يرهب الموت والبلى؟ وكيف يخشى الفقر والفاقة مما ينفق من ماله؟
ومن هنا اندفع السلف الصالح، إلى الممالك والأقطار يفتحونها، فأدهشوا العقول، وحيروا الألباب، وقهروا الأمم، فكسروا كسرى، وقصروا قيصر، ودمروا بلادا، ودكدكوا أطوادا، وسحقوا رؤوس الجبال تحت حوافر جيادهم. أرجفوا كل قلب، وأرعدوا كل فريسة، وقائدهم في ذلك كله، الإيمان بالله وبقضائه وقدره.
بهذا الاعتقاد، لمعت سيوفهم بالمشرق، وانقضت شهبها على الحيارى من أهل المغرب، فالله أكبر ما أعظم الإيمان بالقدر! والله أكبر، ما أعظمه من مطهر للنفوس، من رذيلة الخور والدعة، العائقين عن بلوغ الرشد والدرجات العلى!
اللهم إنا نسألك إيمانا بك، وبملائكتك، وكتبك ورسلك، واليوم الآخر، وبقدرك خيره وشره، إنك قريب مجيب الدعوات.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين والمسلمات من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
[5] لم أجده في صحيح ابن حبان بعد طول البحث ، وأخرجه أبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (10/26- 27) وهو صحيح بشواهده.
| |||
الخطبة الثانية
| |||
الحمد لله حمداً كثيرا طيبا مباركا، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان.
أما بعد:
فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن الإيمان بالقضاء والقدر، دعامة من دعامات هذا الدين، فهو الركن السادس من أركان الإيمان، ضل فيه من ضل، ممن حرم هداية الله، ولم يوفق للتوحيد، الذي هو حق الله على العبيد، والمخالفون في القدر، بين الغالي فيه، والجافي عنه، والقول الحق هو الوسط؛ قول أهل السنة والجماعة، بين الغالي فيه والجافي عنه كما قال بعض أهل العلم، من بين فرث ودم، لبنا خالصا سائغا للشاربين.
وأهل السنة والجماعة يقولون: إن على العبد أن يعلم أن الله قد سبق علمه في كل كائن من خلقه، فقدر ذلك تقديرا محكما مبرما، ليس فيه ناقض ولا معقب، ولا مزيل، ولا مغير، ولا زائد ولا ناقص من خلقه، في سماواته وأرضه، وأن ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأن للعبد مشيئة وإرادة تحت مشيئة الله وإرادته
وقال تعالى:
والفرقة الناجية أهل السنة والجماعة، تؤمن بالقدر خيره وشره، ويقولون: إن أصل القدر سر الله في خلقه، لم يطلع على ذلك ملك مقرب، ولا نبي مرسل. والتعمق والنظر في ذلك، ذريعة الخذلان، وسلم الحرمان، فالحذر كل الحذر من ذلك، نظرا وفكرا ووسوسة، فإن الله تعالى طوى علم القدر على أنامه ونهاهم عن مرامه كما قال تعالى في كتابه:
هذا، وصلوا ـ رحمكم الله ـ على خير البرية وأفضل البشرية...
مصدر | |||
القدر سر الله في خلقه
قبسات : التمرد على الله
جديد الشيخ محمد حسان
قبسات : التمرد على الله
إننا لا نخاف على الإسلام لأن الذي وعد بإظهاره على الدين كله هو الله الذي يقول للشيء كن فيكون هو الله، وإنما نخاف على المسلمين إن هم تركوا الإسلام وضيعوا الإسلام، نسأل الله جل في علاه أن يرد المسلمين إلى الإسلام رداً جميلاً إنه ولي ذلك والقادر عليه.
رسالة إلى من يحقر من صواريخ أهل غزة
جديد الشيخ محمد حسان
رسالة إلى من يحقر من صواريخ أهل غزة
إننا لا نخاف على الإسلام لأن الذي وعد بإظهاره على الدين كله هو الله الذي يقول للشيء كن فيكون هو الله، وإنما نخاف على المسلمين إن هم تركوا الإسلام وضيعوا الإسلام، نسأل الله جل في علاه أن يرد المسلمين إلى الإسلام رداً جميلاً إنه ولي ذلك والقادر عليه.
قبسات : علامات ليلة القدر
جديد الشيخ محمد حسان
قبسات : علامات ليلة القدر
إننا لا نخاف على الإسلام لأن الذي وعد بإظهاره على الدين كله هو الله الذي يقول للشيء كن فيكون هو الله، وإنما نخاف على المسلمين إن هم تركوا الإسلام وضيعوا الإسلام، نسأل الله جل في علاه أن يرد المسلمين إلى الإسلام رداً جميلاً إنه ولي ذلك والقادر عليه.
مواقف من غزوة بدر
لا يكاد ينتصف شهر رمضان[ ] حتى تهب رياح بدر حاملة للمسلمين ذكريات جهاد النبي[ ] صلى الله عليه وسلم وتضحياته، ومذكرة بتضحيات خير القرون وأفضل جيل عاش لنصرة دين الله وقد روحه رخيصة ليربح الصفقة الغالية التي وعد الله عز وجل المؤمنين بها {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً} [التوبة[ ] :من الآية 111].
وكما جاءت الرسالة الشهيرة من ابن المبارك للفضيل بن عياض رحمهما الله -وفي إسنادها كلام- والتي كان مطلعها:
يا عابد الحرمين لو أبصرتنا *** لعلمت أنك بالعبادة تلعب
مَنْ كانَ يخضبُ خدَّه بدموعِه *** فنحورنُا بدمائِنا تَتَخْضَبُ
وهي الرسالة التي تؤكد معنى صحيحاً، ألا وهو أن الجهاد أفضل من التفرغ للعبادة حتى لو كانت في الحرمين الشريفين، وكما قال شيخ الإسلام رحمه الله: "قال العلماء[ ] : أن الرباط بالثغور أفضل من المجاورة بالحرمين الشريفين لأنَ المرابطة من جنس الجهاد والمجاورة من جنس الحج[ ] الجهاد أفضل باتفاق المسلمين من جنس الحج" (مجموع فتاوى[ ] ابن تيمية[ ] - الفقه - الزيارة - الزيارة- الجزء رقم21).
فتأتي رياح بدر لتلقي علينا دروساً إيمانية وتربوية واقعية، وما أجمل وأحكم أن تكون الدروس التربوية ذات تطبيق واقعي في حياة الناس لكي يعطي تطبيقها قوة لها في إمكانية التنفيذ، فما أيسر التنظير في حياة المربين، وما أصعب أن يقترن القول النافع بالعمل الصادق وحينها فما أنفعها من دروس وما أعظمها من نتائج.
فلم تكن غزوة بدر مجرد معركة أو مشاجرة قاتل فيها ثلاثمائة رجل فريقاً أمامهم يقدر عدده بألف رجل، بل كانت هذه الغزوة على صغر عدد المقاتلين فيها وقلة عدد القتلى والأسرى والجرحى، بل كانت نقطة فاصلة في التاريخ الإنساني كله، وتستحق أن تكون نهاية لعهد ماض أذن الله بالا يعود، وبداية لعهد جديد فيه الكثير من المعاني الإيمانية العظيمة.
فقبل بدر لم يكن للمؤمنين دولة في أي عصر، ولم يكن للإيمان قوة تتولى الدفاع عنه ضد أعدائه من المشركين والمنافقين، ولم يكن المؤمنون يتولون الدفاع عن أنفسهم بأنفسهم، ولم يكن الإذن بالقتال قد جاء بعد، ولم يكن هناك شهداء يختارهم الله في ساحات الجهاد ليرفعهم ويكرمهم وليكونوا في حواصل طير خضرٍ يمرحون في الجنة.
كانت السماء تتولى أمر نصرة المؤمنين، يهلك بعض الطغاة بالريح والصعق والخسف والطوفان، ينشق البحر ليبتلع الظالمين، وحينما حدثت في تاريخ البشرية أن سار جيش لنصرة دين الله مع يوشع بن نون، فيضطر أن يدعو الله سبحانه بأن يحبس الشمس عن الغروب لصلابة عناد المعاندين من جيشه لا من عناد الكافرين، وحينما يتحرك طالوت بجيشه بعد عناد واستكبار يتخلف منهم الآلاف ويتقاعسون عن الجهاد ويتنكبون الطريق ويوهنون المستمسكين، ولا يثبت معه من هذه الألوف المؤلفة إلا ثلاثمائة وبضعة عشر نفرًا كعدة أهل بدر كما يقول ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "كَانَ عِدَّةُ أَهْلِ بَدْرٍ بِعَدَدِ أَصْحَابِ طَالُوتَ ثَلاثَمِائَةٍ وَثَلاثَ عَشَرَ رَجُلاً".
إنها لحياة طويلة:
وكان جيش الصحابة[ ] مختلفاً عن كل تلك الجيوش التي زادت أنبياءَها وقادتَها رهقا وعنتا ومشقة، كان هذا الجيش الذي رأى أن الموت[ ] في سبيل الله خير له من الحياة، وعلم أن مجرد لحظات في الحياة تعد بالدقائق تعتبر حياة طويلة مرهقة وبائسة وينبغي الاسراع في المضي قدماً نحو الشهادة[ ] لينطلق بعدها إلى الجنة وهي مبتغى كل مؤمن.
فيقول ابن حجر في الاصابة في ترجمة عمير بن الحمام رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابراً محتسباً مقبلاً غير مدبر إلا ادخله الله الجنة»، فقال عمير بن الحمام -أحد بني سلمة- وفي يده تمراتٍ يأكلهن: "بخٍ بخٍ فما بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء فقذف التمر من يده وأخذ سيفه فقاتل حتى قُتل".
كيف ينال أحدهم هذا الوعد الكريم من النبي المعصوم بأن ما بينه وبين الجنة سوى أن يدخل في الصف ويقتله هؤلاء القوم، كيف يصبر على دقائق يعيشها أو تمرات يأكلها؟
وأين تلكم التمرات في عيشٍ رغدٍ لا يبيد، ونعيمٌ دائمٌ لا ينقطع، فيه مالا عين رأت ولا إذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
شباب يحرص على الشرف الحقيقي:
حينما تزداد همة المرء ترتفع غاياته وأمنياته وتصطبغ أعماله بالجدية، حينها لن تشغله سفاسف الأمور ولا صغائرها، فالأنفس الكبيرة لا تعرف إلا الأعمال الكبيرة العظيمة، تظل تحن لها وتبحث وتفتش عنها وتترصد بزوغ فرصتها وتعد العدة لها وتتمنى اليوم الذي يمكنها أن تنال شرف القيام بالمهمات الجسام والأعمال العظام.
أما الأنفس الصغيرة التي تحن للتفاهة والصغائر، ستنشغل وحتماً بكل شيءٍ لا قيمة له ولا وزن، سيتصارعون على نظرة محرمة من فتاة أو يتشاجرون على نتيجة مباراة في كرة القدم أو يختلفون ويتقاطعون بالأعوام لأجل أغنية أو مغنية.
ولكن نفوس البدريين كانت غير ذلك، وهكذا أيضاً كانت نفوس أصحاب رسول الله مَن لم يدركوا بدراً، فقد أراد يافع صغير وهو رافع بن خديج رضي الله عنه مشاركة الكبار في غزوة بدر ولكن رده رسول الله صلى الله عليه وسلم لصغر سنه، فكان بمقياس السن والأعوام طفلاً صغيراً لكنه بطل كبير وأسد مغوار بمقياس الأعمال والهمة العالية والنفس المتوثبة، لم يطق رافع صبراً عن تلبية داعي نفسه العالية التي تحينت الفرصة التي انتظرتها طويلاً، فشارك في غزوة أحد في العالم التالي فكان بطلاً من أبطالها وليثاً من شجعانها.
وفي بدر، برز بطلان شابان من شباب الصحابة، لم تفزعهما الأسماء الكبيرة في جيش المشركين، ولم ترتجف قلوبهما لطبول الحرب التي تدق فتخلع قلوب الكواسر، ولم يرعهما منظر الدماء وتناثر الأشلاء أو تطاير الرؤوس من فوق الأجساد، في حين تتطاير عقول وتنخلع قلوب بعض شباب مسلم حالي عند رؤية حشرة طائرة!، لم يختبئا في كنف أحد بل طلبا العلا في طاعة الرحمن وقصاصاً ممن آذى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة، عاشا لحبه وأرادا القصاص له وطلبا العلا فارتقت هاماتهما، ودونا اسميهما عند الناس وعند الله قبلهم، بأنها تشرفا بقتل أكثر من آذى رسول الله في مكة، فقتلوا من سماه رسول الله بفرعون هذه الأمة.
ففي الصحيحين يقول عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه:
"بَيْنَمَا أَنَا وَاقِفٌ، فِي الصَّفِّ يَوْمَ بَدْرٍ نَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي وَشِمَالِي، فإذا أَنَا بَيْنَ غُلامَيْنِ مِنَ الأَنْصَارِ حَدِيثَةٍ أَسْنَانُهُمَا، تَمَنَّيْتُ أن أَكُونَ بَيْنَ أَضْلَعَ مِنْهُمَا، فَغَمَزَنِي أَحَدُهُمَا، فَقَالَ: يَا عَمِّ، هَلْ تَعْرِفُ أَبَا جَهْلٍ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، وَمَا حَاجَتُكَ إِلَيْهِ يَا ابْنَ أَخِي؟ قَالَ: أُخْبِرْتُ أَنَّهُ يَسُبُّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَئِنْ رَأَيْتُهُ لا يُفَارِقُ سِوَادِي سَوَادَهُ، حَتَّى يَمُوتَ الأَعْجَلُ مِنَّا، فَتَعَجَّبْتُ لِذَلِكَ، فَغَمَزَنِي الآخَرُ، فَقَالَ لِي مِثْلَهَا، فَلَمْ أَنْشَبَ أَنْ نَظَرْتُ إِلَى أَبِي جَهْلٍ يَدُورُ فِي النَّاسِ، فَقُلْتُ لَهُمَا: أَلا إِنَّ هَذَا صَاحِبُكُمَا الَّذِي تَسْأَلانِ عَنْهُ، فَابْتَدَرَاهُ بِسَيْفَيْهِمَا فَضَرَبَاهُ حَتَّى قَتَلاهُ، ثُمَّ انْصَرَفَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَخْبَرَاهُ، فَقَالَ: «أَيُّكُمَا قَتَلَهُ»، فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: أَنَا قَتَلْتُهُ، قَالَ: «هَلْ مَسَحْتُمَا سَيْفَيْكُمَا؟» قَالا: لا، فَنَظَرَ فِي السَّيْفَيْنِ، فَقَالَ: «كِلاكُمَا قَتَلَه»، فَقَضَى بِسَلَبِهِ لِمُعَاذِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ، وَكَانَا مُعَاذَ بْنَ عَفْرَاءَ، وَمُعَاذَ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ".
يحيى البوليني
فضل ختمة القرآن وأحكامها
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين وبعد:
فإن ختم القرآن من الأعمال الجليلة التي يثاب عليها العبد وينال بها الدرجات العلى، فيستحب للمسلم أن يختم القرآن مرة بعد مرة ويواظب على ذلك، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ} [فاطر:29].
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: ألم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف» (رواه الترمذي).
وتلاوة القرآن فيها فضائل حسنة ومزايا عظيمة كما ورد في النصوص، من شفاعة في الآخرة وكثرة الحسنات، ورفعة الدرجات، وزيادة اليقين[ ] ، وانشراح الصدر، وشفاء من الأسقام، واطمئنان الروح، وجلاء الهموم والأحزان في الدنيا[ ] ، وبصيرة في الدين، وفرقان في المشتبهات، ورفعة في الدنيا، وغير ذلك من الشمائل التي لا يحصيها القلم ولا يحدها الوصف.
وفي الصحيحين قول النبي[ ] صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأُترُجّة ريحها طيب وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة طعمها طيب ولا ريح لها، ومثل الفاجر الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر، ومثل الفاجر الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة طعمها مر ولا ريح لها».
أما مدة ختم القرآن فلم يرد حدٌّ مؤقتٌ في السنة في أكثرها، وإن كان ورد ذم في السنة وعن السلف هجر القرآن وإطالة المدة في ختمها، وقد حدها بعضهم بالأربعين لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل هذه المدة لعبد الله بن عمرو لختم القرآن لما أخرج أبو داود عن عبد الله بن عمرو: "أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم في كم يُقرأ القرآن؟ قال: «في أربعين يومًا، ثم قال في شهر...». وفي رواية البخاري[ ] قال له: «اقرأ القرآن في كل شهر، قلت: إني أجد قوة، قال: فاقرأه في سبع ولا تزد».
وقد كره بعض الفقهاء تجاوز هذه المدة من غير ختم القرآن، والصحيح أنه لا يكره ذلك لأن هذه الأحاديث خرجت مخرج الأفضلية والاستحباب، ولذلك اختلفت الروايات في تحديد المدة، والمقصود أنه ينبغي للمؤمن أن يتعاهد القرآن، ويكون كثير المدارسة له، ولا يهجره ويكون بعيد العهد به، ولذلك روى أبو داود عن بعض السلف أنهم كانوا يختمون في شهرين ختمة واحدة.
أما أقل المدة فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن ختمه بأقل من ثلاث ليال لحديث عن عبد الله بن عمرو قال: «أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم ?أن لا أقرأ القرآن في أقل من ثلاث» (رواه الدارمي)، وفي سنن أبي داود: «لا يفقه من قرأه في أقل من ثلاث»، وهذا النهي على سبيل الكراهة.
واختلف أهل العلم هل[ ] هذا النهي عام في جميع الأحوال أم خاص؟ وذهب كثير من فقهاء السلف وعبادهم إلى حمل هذا النهي على معنى خاص كالمداومة على ذلك، أو في أيام السنة التي لا مزية فيها، أما في الأزمان الفاضلة كشهر رمضان[ ] وغيره فلا حرج على المسلم في ختم القرآن بأقل من ثلاث، لأن الأفضل في الزمان الفاضل والمكان الفاضل الإكثار من العبادة مع إقبال النفس[ ] وانشراحها لعمل الخيرات، وقالوا إن المقصود من النهي عدم عقل القرآن وفقه معانيه أو خشية السآمة والملل في العبادة، والذي يظهر أن هذا المسلك وجيه يتحقق فيه مصالح كثيرة.
قال ابن رجب في اللطائف: "وإنما ورد النهي عن قراءة القرآن في أقل من ثلاث على المداومة على ذلك، فأما في الأوقات المفضلة كشهر رمضان خصوصًا الليالي التي يطلب فيها ليلة القدر[ ] أو في الأماكن المفضلة كمكة شرفها الله لمن دخلها من غير أهلها فيستحب الإكثار فيها من تلاوة القرآن اغتناما للزمان والمكان، وهذا قول أحمد وإسحاق وغيرهما من الأئمة".
قال إبراهيم النخعي: "كان الأسود يختم القرآن في رمضان في كل ليلتين"، وكان قتادة يختم القرآن في سبع، فإذا جاء رمضان ختم في كل ثلاث، فإذا جاء العشر ختم في كل ليلة، وعن مجاهد أنه كان يختم القرآن في رمضان في كل ليلة، وعن مجاهد قال: "كان علي الأزدي يختم القرآن في رمضان كل ليلة"، وقال الربيع بن سليمان: "كان الشافعي[ ] يختم القرآن في رمضان ستين ختمة"، وقال القاسم ابن الحافظ ابن عساكر: "كان أبي مواظبًا على صلاة الجماعة[ ] وتلاوة القرآن، يختم كل جمعة، ويختم في رمضان كل يوم".
والحاصل أن الأفضل للإنسان أن يختم في كل سبع كما كان كثير من الصحابة[ ] يسبع، واختاره كثير من أهل العلم، فإن لم يتيسر له ففي عشر، وإن رغب في الخير في الأوقات الفاضلة فختم بأقل من ثلاث من غير مفسدة فلا حرج عليه.
وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يختم في كل سبع ولا يصح.
والصحيح أنه ليس هناك وقت محدد في الشرع لوقت الختمة في ساعة من الليل أو النهار أو ليلة معينة في الأسبوع كليلة الجمعة[ ] ، فيفعل العبد ما هو أيسر له، وأجمع لقلبه، وأشرح للعبادة، وأفرغ لوقته، فلا فضل في وقت معين، وما ورد من آثار بعض الصحابة والتابعين لا يدل على التحديد في هذا الباب، لأن هذا اجتهاد منهم ليس عليه دليل من الشرع والأمر في ذلك واسع.
وكذلك جميع ما روي من استغفار ستين ألف ملك عند ختمة القرآن، أو استغفار عدد معين عند ختمة القرآن ?ول الليل فمنكر لا يصح منه شيء في هذا الباب، كحديث: «إذا ختم العبد القرآن صلى عليه عند ختمه ستون ألف ملك»، وحديث: «من ختم القرآن أول النهار صلت عليه الملائكة[ ] حتى يمسي، ومن ختمه آخر النهار صلت عليه الملائكة حتى يصبح». فلا يجوز للمسلم أن يعتقد للختمة ثوابًا خاصًّا لم ترد في الشرع، وإن كان فيها فضل عظيم، وموطن دعاء وتعرض لعطايا الرب لأنه ختام عمل صالح تلاوة أشرف كلام.
وينبغي للمسلم أن يجعل له ورد من القرآن من ليل أو نهار، سواء كان ذلك داخل صلاة النفل أو خارجها، لقوله صلى الله عليه وسلم: «تعاهدوا هذا القرآن، فو الذي نفسي بيده لهو أشد تفلتا من الإبل في عقلها» (رواه مسلم)، وقد كان الصحابة يواظبون على قراءة حزب معين كل ليلة، وآثارهم كثيرة في هذا الباب، ولم يرد في الشرع قدر محدد من السور أو الآيات يقرؤها كل ليلة أو يوم، ومن حدد شيئا في هذا فقد أخطأ، وما يُروى في هذا الباب لا يصح منه شيء، وقراءة النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الليل لم تكن مؤقتة في القدر، وقد ثبت في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قرأ سورة البقرة[ ] ، ثم افتتح النساء[ ] ، ثم افتتح آل عمران.
وقد أطلق النبي صلى الله عليه وسلم الحزب ولم يقيده بقدر فقال: «من نام عن حزبه أو عن شئ منه فقرأه فيما بين صلاة الفجر[ ] وصلاة الظهر كتب له كأنما قرأه من الليل» (رواه مسلم)، والصحابة رضي الله عنهم كانت تختلف مسالكهم في هذا الباب، فمنهم من كان يختم في ليلة، ومنهم في ثلاث، ومنهم في سبع، ومنهم في عشر، ومنهم في شهر، ومنهم في شهرين.
ولكن لا بأس للإنسان أن يحدد ورده من باب التنظيم والاجتهاد في الختم، وإن نشط في بعض الليالي طول القراءة، وإن كسل قصرها كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل، والأمر في ذلك واسع، لكن لا يُشرع له أن يعتقد أفضلية لقدر معين من الآيات وينسب ذلك للسنة.
واستحب بعض الفقهاء لمن ختم القرآن أن يقرأ الفاتحة[ ] وأول البقرة إلى قوله: }أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [البقرة:5]، ويجعل ذلك ختام قراءته لحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: "أن رجلًا قال يا رسول الله أي الأعمال أفضل؟ قال: «الحال المرتحل»، قال: يا رسول الله وما الحال المرتحل؟ قال: «يضرب من أول القرآن إلى آخره، ومن آخره إلى أوله» (رواه الترمذي واستغربه)، لكن هذا الخبر لا يصح فلا يُعمل به، فعلى هذا لا يستحب ذلك على الصحيح والعمل على تركه.
وإذا ختم القرآن استحب الفقهاء أن يدعو بعد ذلك، ويجمع أهله على ذلك إن تيسر، لأن الدعاء[ ] يُرجى قبوله بعد الفراغ من العمل الصالح، ولأنه ورد عن أنس بن مالك رضي الله عنه: "أنه كان إذا ختم القرآن جمع ولده وأهل بيته فدعا لهم" (رواه الدارمي)، وعن مجاهد قال: "كانوا يجتمعون عند ختم القرآن يقولون: إن الرحمة تنزل عند القرآن"، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: "أنه كان يجعل رجلًا يراقب رجلًا يقرأ القرآن، فإذا أراد أن يختم أعلم ابن عباس رضي الله عنهما فيشهد ذلك" (رواه الدارمي).
ولا يُشرع الاجتماع عند الختمة وصنع الطعام لذلك وتوزيعه قصد الثواب للحي أو الميت يوم الخميس أو غيره، بل ذلك من البدع[ ] والمحدثات التي ليس لها أصل في الشرع بهذه الكيفية.
ولا يُسن تخصيص الصوم ليوم الختمة أو عبادة أخرى، واعتقاد أن ذلك له مزية في الشرع.
أما الدعاء لختم القرآن في صلاة القيام في رمضان قبل الركوع فقد استحبه طائفة من الفقهاء، وهو عمل أهل مكة اشتُهر عنهم، وأخذ به الإمام أحمد ومتأخرو المذاهب الثلاثة، ويغلب على الظن أنهم تلقوا ذلك عن الصحابة، والذي يظهر أنه لا بأس بعمله لمناسبة المحل بعد ختم القرآن، ولأنه يجوز الدعاء في الصلاة كدعاء الوتر وهذا من جنسه، ولأنه يُشرع للمصلي السؤال والاستعاذة عند ذكر ما يقتضي ذلك من الآيات كما ثبت في السنة، ولأن أبا بكر رضي الله عنه لما أنابه النبي صلى الله عليه وسلم بالإمامة لمرضه، ثم دخل في الصلاة فتأخر أبو بكر وتقدم النبي رفع يديه ودعا وأقره النبي صلى الله عليه وسلم، مما يدل على جواز الدعاء العارض أثناء الصلاة لأنه ذكر مشروع من جنس أذكار الصلاة، ولأن الصحابة رضي الله عنهم توسعوا في دعاء القنوت، وزادوا عليه فأدخلوا فيها الصلاة وغيره، مما يدل على أن الأمر واسع في هذا الباب.
والحاصل أن الإمام إذا كان يرى مشروعية ذلك، ويقتدي بقول عالم، فينبغي متابعته وعدم مخالفته أو الإنكار عليه كما كان كثير من أئمة السلف من الفقهاء والمحدثين لا ينكرون هذه المسائل، ويرون أن الخلاف سائغ لا يقتضي الإنكار والتدابر وترك الاجتماع على القيام لأجل ذلك، وهو أدب وفقه يَعزُب عن بعض الصالحين اليوم.
فيدعو الإنسان بما تيسر له من الدعاء، ويختار الأدعية الجامعة والمناسبة لفضل القرآن ومنزلته، والثناء على الله المتكلِّم به، ونحو ذلك، والأمر في هذا الباب واسع، لكن لا ينبغي له التزام ألفاظ وعبارات معينة في دعاء الختمة، واعتقاد نسبتها إلى الشرع والمحافظة عليها كالأذكار الشرعية الراتبة.
وقد كان الصحابة والسلف الصالح رضوان الله عليهم يُكثرون من ختم القرآن آناء الليل وأطراف النهار، ولهم في ذلك أحوال عجيبة وإن كانوا في هذا الباب على مراتب، منهم المقل ومنهم المستكثر، لكن يجمعهم العناية بتلاوة القرآن، وامتلاء صدورهم بتعظيم القرآن وعلو منزلته، حتى كان الفقيه الناسك عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يترك صوم النفل لأنه يشغله عن تلاوة القرآن، وهذا من الفقه الدقيق الذي لا يُوفق إليه إلا من أوتي الحكمة ورُزق البصيرة في الدين.
وما عليه السلف الصالح من التنسك والاجتهاد مخالف لما عليه كثير من الناس في هذا الزمن من هجر القرآن وجفائه، والاعتياض عنه بالصحف والمجلات والروايات، حتى صار يأتي على الرجل سنون كثيرة وهو لم يختم القرآن ولا مرة، وكثير من الناس لا يختم إلا في رمضان والله المستعان.
ولا يليق بالمنتسبين للعلم والدعوة أن يزهدوا في تلاوة القرآن وختمه ويقصروا في هذا الباب العظيم الذي يُعد نورًا وهداية وزكاة وفرقانًا لطريقهم وسبيلهم، ولا يُقبل لهم عذر في هذا التفريط، ومن كان زاهدًا في القرآن والسنة كان أمره في سفال ودعوته في ريبة.
ويُستحب للإمام أن يعتني بختم القرآن في صلاة التراويح في رمضان، ويحرص على ذلك إن تيسر له، لأن رمضان شهر القرآن وقد ثبت في البخاري: «أن جبريل كان يعرض على النبي صلى الله عليه وسلم القرآن كل عام مرة، فعرض عليه مرتين في العام الذي قبض فيه»، فينبغي أن يُسمعهم جميع القرآن، يحرك قلوبهم ويبصرهم في الشرع لا سيما وإن كثيرًا من الناس هاجرٌ لكتاب الله مقصرٌ في معرفة أحكام التلاوة، لا يعرف القرآن إلا في هذا الشهر والله المستعان.
ويُشترط لصحة الختمة اتصال القراءة في الحكم، بأن يقصد القارئ حال قراءته الختمة، وبناء قراءته على القراءة السابقة سواء كانت القراءة داخل الصلاة أو خارجها، أو من المصحف[ ] أو عن ظهر قلب، أما إذا قرأ سورة منفردة، أو كررها للرقية أو التدبر أو تعلم التجويد[ ] أو الحفظ فلا تدخل قراءته هذه في الختمة، ولا تُعتبر منها كمن كرر سورة الإخلاص[ ] لنيل ثوابها الخاص، أو قرأ سورة الكهف[ ] يوم الجمعة ونحو ذلك.
ويجوز أن تكون له ختمتان في الليل والنهار لأن باب التطوع واسع، لكن الأولى أن لا يشرع في ختمة إلا بعد الفراغ من الختمة الأولى.
ويُستحب للمسلم الحرص على الختمة في الأزمان الفاضلة والأماكن الفاضلة، واغتنام مو?سم الخيرات بذلك، لأن العمل يتفاضل، وتلاوة القرآن من أَجَلّ الأعمال، وقد كان السلف يحرصون على ذلك إذا نزلوا مكة والمدينة.
والتحقيق أن ما يسمى بالختمة الجماعية بأن: يجتمع قوم كل واحد يقرأ جزءًا من القرآن في نفس الوقت[ ] أو متعاقبين إلى أن ينهوا القرآن ليس ذلك داخلًا في حُكم الختمة الواردة في الشرع، لأن التلاوة عبادة متصلة الأجزاء، يُشترط أن تصدر من مكلف معين لا من أكثر من واحد كالأذان والإقامة وغيرها من العبادات القولية، فلا يُشرع هذا العمل لأنه مخالف للسنة إلا إذا كان على سبيل التعليم والمذاكرة لا قصد ثواب الختمة.
خالد بن سعود البليهد
عضو الجمعية العلمية السعودية للسنة
binbulihed@gmail.com
إن الإسلام قادم
جديد الشيخ محمد حسان
إن الإسلام قادم
إننا لا نخاف على الإسلام لأن الذي وعد بإظهاره على الدين كله هو الله الذي يقول للشيء كن فيكون هو الله، وإنما نخاف على المسلمين إن هم تركوا الإسلام وضيعوا الإسلام، نسأل الله جل في علاه أن يرد المسلمين إلى الإسلام رداً جميلاً إنه ولي ذلك والقادر عليه.
رمضان والتوبة
الحمد لله الكريم المنان، الذي أكرمنا بالقرآن وجعله معجزة إلى آخر الزمان، لا يخلق من كثرة الترداد ولا تنقضي عجائبه، ولا تنفني مطالبه، جعله الله ربيع قلوب أهل الإيمان[ ] وحفظه من الزيادة والنقصان، وأشهد أ?ا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تنال بها الغفران، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله حث على تعلم القرآن، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً.
عباد الله:
العشر والقرآن: اتقوا الله ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، شهر رمضان[ ] هو شهر الخير القرآن؛ {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَان} [البقرة:185].
عباد الله:
من أفضل ما تعمر به الأوقات وتنقضي به الساعات في هذا الشهر الكريم تلاوة كتاب الله تعالى مع حفظه وفهمه وتدبره والعناية به، وهذا ما كان يفعله نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ففي الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن" [رواه البخاري[ ] في صحيحه].
عباد الله:
القرآن هو النور: {وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا} [الشورى:52]، وهو الحياة: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا} [الشورى:52]، وهو من أجلُّ نِعَمِ الله علينا.
وتأمَّلُوا قول المولى سبحانه في مطلع الآية التي نقرؤها كل جمعة: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا} [الكهف:1]، فهو نعمةٌ عظيمةٌ: {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت:42]، وهو الشفاء للقلوب والأبدان: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ} [الإسراء:82].
تلاوته عبادة وهي سيما المؤمنين: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ . لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ} [فاطر:29-30].
وقال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: «من قرأ حرفاً من كتاب الله فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: ألف لام ميم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، ?ميم حرف» [الترمذي].
وتعلُّمُ القرآن وفهمُهُ من أجلِّ العبادات؛ بل به تُنالُ الخيرية: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه»[البخاري]، وهو سيما المؤمنين الأخيار، يقول عليه الصلاة والسلام: «مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة؛ ريحها طيب، وطعمها طيب»[البخاري ومسلم]، تلاوته وتدبره دأب العقلاء العارفين: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ} [ص:29].
إن أحق ما تكلم به اللسان[ ] ، واستمعت إليه الآذان، وتدبَّرَه الوجدان هو القرآن كلام الله العظيم.
عباد الله:
اقرؤوا كتاب ربكم وتدبَّروا معانيه، فمن كان ماهراً به فهو مع السفرة الكرام البررة، ومن شق عليه فله أجران، كما في الصحيح عن النبي[ ] صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما أسهل تلاوته على اللسان وما ألذه على الجنان وما أحسنه على الأذان[ ] »، {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} [القمر:17].
فيه السكينة والرحمة وقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله تعالى يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفَّتْهم الملائكة[ ] ، وذَكَرَهم الله فيمن عنده» [مسلم].
عباد الله:
فيه الهدى والرشاد، وفيه النور والشفاء إذا أقبل عليه المقبلون، وخشع لتلاوته التالون، وعمل بأحكامه العاملون، وتدبَّرَه المُتدبِّرون، وحسبنا أول بيان من رب العالمين عندما أنزل آدم إلى الأرض: {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى} [طه:123].
قال ابن عباس رضي الله عنهما: "تكفَّل الله لمن قرأ القرآن وعمل به ألا يضل في الدنيا[ ] ولا يشقى في الآخرة"؛ {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا} [طه: 124]، أي: في الدنيا، {وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} [طه: 124]. وقال سبحانه محذراً الهاجرين لكتابه سواء تلاوة له، أو تدبراً لمعانيه، أو عملاً بأحكامه: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا} [الفرقان:30]، فقال سبحانه وتعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا} [الفرقان:31].
عباد الله:
عودوا إلى كتاب ربكم واجعلوا لكم منه ورداً دائماً، وشجعوا أبنائكم وذريتكم بالالتحاق بحلق القرآن ففيه البركة والسرور، لا سيما في هذا الشهر الكريم فهو شهر القرآن، وكان السلف الصالح يضاعفون قراءة القرآن في رمضان، وكان الإمام مالك وهو إمام أهل المدينة إذا دخل رمضان ترك العلم وأقبل[ ] على القرآن. القرآن عباد الله خيرٌ كلُّهُ، وهو يشفع لأصحابه، وقد قال عليه الصلاة والسلام: «والقرآن حجة لك أو عليك» [مسلم]، وقال: «الصيام[ ] والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة[ ] » [المستدرك]، وحسبنا قول المولى سبحانه وتعالى في محكم كتابه: {الم . ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} [البقرة:1-2].
نفعني الله وإياكم بهدي كتابه العظيم وبسنة نبيه الكريم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله الذي فضل الشهور والأيام وجعل ليالي رمضان خير ليالي العام، فأنزل فيها القرآن وجعل فيها ليلة خير من ألف شهر؛ {تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ . سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} [القدر[ ] :4-5]، والصلاة والسلام على رسوله الكريم خير من تهجَّدَ وقام وتلا القرآن، عليه أفضل الصلاة والسلام.
عباد الله:
وقد أقسم بها المولى سبحانه وتعالى فقال: {وَالْفَجْرِ . وَلَيَالٍ عَشْرٍ} [الفجر[ ] :1-2]، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد فيها ما لا يجتهد في غيرها لما فيها من نفل عظيم، وشرف كبير، وكان يخلط النوم بالقيام، فإذا دخلت العشر أيقظ أهله، وشد المئزر، وأحيا ليله، وكان يعتكف عليه الصلاة والسلام في المسجد، وهو سنة تتأكَّد في رمضان لا سيما في العشر الأخيرة من رمضان.
فاعرفوا لهذه العشر فضلها؛ ففيها ليلة خير من ألف شهر، يقول عليه الصلاة والسلام: «فمن حُرِمَ خيرها فقد حُرِم» [النسائي]، وحافظوا على التراويح والقيام، فقد قال عليه الصلاة والسلام: «من قام مع إمامه حتى ينصرف كُتِبَ له قيام ليلة» [أصحاب السنن الأربعة]. واحفظوا لياليكم وعظموا شعائركم: {ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج[ ] : 32].
هذا وصلوا على النبي الكريم.. فقد أمركم الله بالصلاة عليه.
خالد بن عبد الله القاسم
الاشتراك في:
التعليقات (Atom)